السيد كمال الحيدري
179
الدعاء إشراقاته ومعطياته
وهنا أودُّ أن أذكر نُكتةً مهمَّةً وشاهداً على صحة ما نقول ، أما النُكتةُ فهي : أنَّ غياب حالة الخشوع وإن كان ينشأُ عادةً من عدم التوجّهِ لمضامين الدعاء ومن عدم حضور القلب ، ولكن ذلك ليس سبباً دائمياً ، فهنالك حالات يكون سبب عدم الخشوع فيها هو عدم فهم مضامين الدعاء ، أو أنه يفهم معاني ألفاظه ولكنه لا يرتقي إلى كمالات الدعاء ومعطياته ، فينطفئُ حضورُهُ القلبي ، وربَّما تحصل له نفرةٌ من نفس الدعاء . وفي ضوء ذلك يمكننا أن نفهم فلسفة تنوّع خطابات المعصومين ( عليهم السلام ) تبعاً لقدرات المُخاطب ، وهو ما أكّده النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بلسان جميع الأنبياء ( عليهم السلام ) ، حيث يقول ( صلى الله عليه وآله ) : « إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم » « 1 » ، وهذا ما كشف عنه بخصوص النبيِّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) حفيدُه الإمام الصادق ( عليه السلام ) بقوله : « ما كلَّم رسول الله صلى الله عليه وآله العباد بكُنه عقله قطّ » « 2 » ، أي بتمام عقله ، لعدم وجود مُخاطب يسع عقلُه وقلبُه ما وسعه عقلُ وقلبُ النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنّما كان ( صلى الله عليه وآله ) يترشّح منه على مُخاطبيه بقدر مقدور ، ولقد كان أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) يُنادي في مُخاطبيه : « إنَّ ها هنا لعلماً جمَّاً - وأشار إلى صدره - لو أصبتُ له حملة » « 3 » ، هذه النكتة ، فاحفظها جيداً . وأما الشاهد فهو من حاضرة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، روايةً عن كميل بن زياد ( رحمه الله ) ، فقد سأله كميل :
--> ( 1 ) أُصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 23 ، الحديث : 15 . ( 2 ) مصدر سابق : ج 1 ، ص 23 ، الحديث : 15 . ( 3 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 36 .